وَدَارَيْتُ كلَّ النَّاسِ لَكِنَّ حَاسِدِي
قصيدة للامام الشافعي رحمة الله
| وَدَارَيْتُ كلَّ النَّاسِ لَكِنَّ حَاسِدِي | مدراتهُ عزَّت وعزَّ منالها |
| وَكَيْفَ يُدَارِي المرءُ حَاسِدَ نِعْمَة ٍ | إذا كانَ لا يرضيه إلاَّ زوالها |
| وَدَارَيْتُ كلَّ النَّاسِ لَكِنَّ حَاسِدِي | مدراتهُ عزَّت وعزَّ منالها |
| وَكَيْفَ يُدَارِي المرءُ حَاسِدَ نِعْمَة ٍ | إذا كانَ لا يرضيه إلاَّ زوالها |
| ثَلاَثٌ هُنَّ مُهْلِكَة ُ الأنامِ | وداعية ُ الصحيحِ إلى السِّقامِ |
| دَوامُ مُدَامَة ٍ وَدَوَامُ وطءٍ | وإدخالُ الطَّعامِ على الطعامِ |
| شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي | فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي |
| وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ | ونورُ الله لا يهدى لعاصي |
| لا يُدْرِكُ الحِكْمة َ مَنْ عُمْرُهُ | يكدحُ في مصلحة ِ الأهلِ |
| وَلاَ يَنالُ العِلْمَ إلاَّ فَتًى | خالٍ من الأفكارِ والشغلِ |
| لَوْ أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيم الذي | سارت به الرُّكبانُ بالفضلِ |
| بُلِي بِفقْرٍ وَعِيالٍ لمَا | فرَّقَ بَيْنَ التِّبنِ والبَقْلِ |
| إِذا هَبَّتْ رِياحُكَ فَاغْتَنِمْها | فَعُقْبَى كُلِّ خافِقَة ٍ سُكُوْنُ |
| ولا تغفل عن الإحسان فيها | فلا تدري السكونُ متى يكونُ |
| لَقَلْعُ ضِرْسٍ وَضَرْبُ حَبْسِ | ونزعُ نفسٍ وردُّ أمسِ |
| وَقَرُّ بَرْدٍ وَقَوْدُ فرْدِ | ودبغُ جلدٍ بغير شمسِ |
| وأكلُ ضبَّ وصيدُ دبُّ | وصرفُ حبَّ بأرضِ خرسِ |
| ونفخُ نارٍ وحملَ عارٍ | وبيعُ دارٍ بربعِ فلس |
| وبيعُ خفَّ وعدمُ إلفِ | وضربُ إلفٍ بحبلِ قلسِ |
| أهونُ من وقفة الحرِّ | يرجو نوالاً ببابِ نحسِ |
| ومن هابَ الرِّجال تهيبوهُ | ومنْ حقرَ الرِّجال فلن يهابا |
| ومن قضتِ الرِّجالُ لهُ حقوقاً | وَمَنْ يَعْصِ الرِّجَالَ فَما أصَابَا |
| صَبْراً جَمِيلاً ما أقربَ الفَرَجَا | من رَاقَبَ اللَّهَ فِي الأمورِ نَجَا |
| منْ صدق الله لم ينلهُ أذى | ومن رجَاهُ يكونُ حيثُ رَجَا |
| ما حكَّ جلدكَ مثلُ ظفركَ | فَتَوَلَّ أنْتَ جَميعَ أمركْ |
| وإذا قصدْتَ لحاجَة ٍ | فاقْصِدْ لمعترفٍ بقدْرِكْ |
| إذَا سَبَّنِي نَذْلٌ تَزَايَدْتُ رِفْعة ً | وما العيبُ إلا أن أكونَ مساببهْ |
| وَلَوْ لَمْ تَكْنْ نَفْسِي عَلَيَّ عَزِيزَة ً | لمكَّنتها من كلِّ نذلٍ تحاربهُ |
| ولو أنَّني أسعى لنفعي وجدتني | كثيرَ التَّواني للذي أنا طالبه |
| وَلكِنَّني أَسْعَى لأَنْفَعَ صَاحِبي | وعارٌ على الشبَّعانِ إن جاعَ صاحبه |
| يُخَاطِبني السَّفيهُ بِكُلِّ قُبْحٍ | فأكرهُ أن أكونَ له مجيبا |
| يزيدُ سفاهة ً فأزيدُ حلماً | كعودٍ زادهُ الإحراقُ طيبا |
| ارْحَلْ بِنَفْسِكَ مِنْ أَرْضٍ تُضَامُ بِهَا | وَلاَ تَكُنْ مِنْ فِرَاقِ الأَهْلِ فِي حُرَقِ |
| فالعنبرُ الخامُ روثٌ في مواطنهِ | وَفِي التَّغَرُّبِ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُنُقِ |
| والكحلُ نوعٌ منَ الأحجارِ تنظرهُ | فِي أرضِهِ وَهْوَ مَرْمِيٌّ عَلَى الطُّرُقِ |
| لمَّا تغرَّبَ حازَ الفضلَ أجمعهُ | فَصَارَ يُحْمَلُ بَيْنَ الْجَفْنِ وَالْحَدَقِ |
| لا تأسفن على غدر الزمان لطالما | رقصت على جثث الأسود كلاب |
| لاتحسبن برقصها تعلو على أسيادها | تبقى الأسود أسوداً والكلاب كلاب |
| تموت الأسد في الغابات جوعاً | ولحم الضأن تأكله الكلاب |
| وذو جهل قد ينام على حرير | وذو علم مفارشه التراب |
| ومنزلة ُ السفيهِ من الفقيهِ | كمنزلة ِ الفقيه من السفيهِ |
| فهذا زاهدٌ في قربِ هذا | وهذا فيهِ أزهدُ منه فيهِ |
| إذا غلبَ الشقاءُ على سفيهٍ | تنطَّعَ في مخالفة ِ الفقيهِ |
| تَعْصِي الإِله وَأنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ | هذا محالٌ في القياس بديعُ |
| لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ | إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ |
| في كلِّ يومٍ يبتديكَ بنعمة ٍ | منهُ وأنتَ لشكرِ ذاكَ مضيعُ |
| نعيب زماننا والعيب فينا | وما لزماننا عيبٌ سوانا |
| ونهجو ذا الزمانَ بغير ذنبٍ | ولو نطق الزمان لنا هجانا |
| وليسَ الذئبُ يأكلُ لحمَ ذئبٍ | ويأكلُ بعضنا بعضاً عيانا |
| أعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِ السَّفِيه | فكلُّ ما قالَ فهو فيهِ |
| ما ضرَّ نهرَ الفراتِ يوماً | أن خاضَ بَعْضُ الكِلاب فيه |
| دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَل مَا تَشَاءُ | وطب نفساً إذا حكمَ القضاءُ |
| وَلا تَجْزَعْ لنازلة الليالي | فما لحوادثِ الدنيا بقاءُ |
| وكنْ رجلاً على الأهوالِ جلداً | وشيمتكَ السماحة ُ والوفاءُ |
| وإنْ كثرتْ عيوبكَ في البرايا | وسَركَ أَنْ يَكُونَ لَها غِطَاءُ |
| تَسَتَّرْ بِالسَّخَاء فَكُلُّ عَيْب | يغطيه كما قيلَ السَّخاءُ |
| ولا تر للأعادي قط ذلا | فإن شماتة الأعدا بلاء |
| ولا ترجُ السماحة ََ من بخيلٍ | فَما فِي النَّارِ لِلظْمآنِ مَاءُ |
| وَرِزْقُكَ لَيْسَ يُنْقِصُهُ التَأَنِّي | وليسَ يزيدُ في الرزقِ العناءُ |
| وَلا حُزْنٌ يَدُومُ وَلا سُرورٌ | ولا بؤسٌ عليكَ ولا رخاءُ |
| وَمَنْ نَزَلَتْ بِسَاحَتِهِ الْمَنَايَا | فلا أرضٌ تقيهِ ولا سماءُ |
| وأرضُ الله واسعة ً ولكن | إذا نزلَ القضا ضاقَ الفضاءُ |
| دَعِ الأَيَّامَ تَغْدِرُ كُلَّ حِينٍ | فما يغني عن الموت الدواءُ |
| رَأَيْتَ العِلْمَ صَاحِبُهُ كَرِيم | ولو ولدتهُ آباءٌ لئامُ |
| وليسَ يزالُ يرفعهُ إلى أن | يُعَظِّمَ أمرَهُ القَومُ الكِرامُ |
| وَيَتَّبِعُونَهُ فِي كُلِّ حَالٍ | كراعي الضأنِ تتبعهُ السَّوامُ |
| فَلَولاَ العِلْمُ مَا سَعِدَتْ رِجَالٌ | ولا عرفُ الحلالُ ولا الحرامُ |
| العبدُ حرٌّ إن قَنَعْ | والحرُّ عبدٌ إن طمع |
| فاقنعْ ولا تطمعْ فلاَ | شيءٌ يشينُ سوى الطمع |
| أمَتُّ مَطَامِعي فأرحْتُ نَفْسي | فإنَّ النَّفسَ ما طيعت تهونُ |
| وَأَحْيَيْتُ القُنُوع وَكَانَ مَيْتاً | ففي إحيائهِ عرضٌ مصونُ |
| إذا طمعٌ يحلُ بقلبِ عبدٍ | عَلَتْهُ مَهَانَة ٌ وَعَلاَهُ هُونُ |
| إِنَّ الفَقِيهَ هُوَ الفَقِيهُ بِفعْلِهِ | لَيْسَ الفقِيهُ بِنُطْقِهِ وَمَقَالِهِ |
| وكذا الرَّءيسُ هو الرئَّيسُ بخلقهِ | ليسَ الرَّئِيسَ بِقَوْمِهِ وَرِجَالِهِ |
| وكذا الغنيُ هو الغنيُ بحالهِ | ليسَ الغنيُّ بِمُلْكِهِ وَبِمَالِهِ |
| رَأيْتُ القنَاعَة َ رَأْسَ الغنَى | فصِرتُ بأَذْيَالِهَا مُمْتَسِكْ |
| فلا ذا يراني على بابهِ | وَلا ذا يَرَاني بهِ مُنْهمِكْ |
| فصرتُ غَنِيّاً بِلا دِرْهَم | أمرُّ على النَّاسِ شبهَ الملك |
| زن من وزنكَ، بما وز | نك وماوزنكَ بهِ فزنهُ |
| من جا إليكَ فرح إلي | ـه وَمَنْ جَفَاكَ فَصُدَّ عَنْهُ |
| من ظنَّ أنَّك دونهُ | فاترك هواهُ إذن وهنهُ |
| وارجع إلى ربِّ العبا | دِ فكلُّ ما يأتيكَ منهُ |
| تعلم فليسَ المرءُ يولدُ عالماً | وَلَيْسَ أخو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ |
| وإنَّ كَبِير الْقَوْمِ لاَ علْمَ عِنْدَهُ | صَغيرٌ إذا الْتَفَّتْ عَلَيهِ الْجَحَافِلُ |
| وإنَّ صَغيرَ القَومِ إنْ كانَ عَالِماً | كَبيرٌ إذَا رُدَّتْ إليهِ المحَافِلُ |
| إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفاً | فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا |
| فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفي التَّرْكِ رَاحة ٌ | وفي القلبِ صبرٌ للحبيب ولو جفا |
| فَمَا كُلُّ مَنْ تَهْوَاهُ يَهْوَاكَ قلبهُ | وَلا كلُّ مَنْ صَافَيْتَه لَكَ قَدْ صَفَا |
| إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة ً | فلا خيرَ في ودٍ يجيءُ تكلُّفا |
| ولا خيرَ في خلٍّ يخونُ خليلهُ | ويلقاهُ من بعدِ المودَّة ِ بالجفا |
| وَيُنْكِرُ عَيْشاً قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ | وَيُظْهِرُ سِرًّا كان بِالأَمْسِ قَدْ خَفَا |
| سَلامٌ عَلَى الدُّنْيَا إذا لَمْ يَكُنْ بِهَا | صديق صدوق صادق الوعد منصفا |